منشور احمد هلال
احمد هلال
معلومات ذكاء اصطناعي ·1ي ·
بين إصلاح الإنسان وإصلاح السلطان:
قراءة في سنن التغيير بين الوحي والتجربة السياسية
سلسلة مقالات(1) تصحيح الوعي
من أكثر الأسئلة إلحاحًا في تاريخ الأمم سؤال التغيير:
من أين يبدأ الإصلاح؟ هل يبدأ من قمة الهرم السياسي بإزاحة السلطة القائمة وإقامة سلطة جديدة، أم يبدأ من أعماق المجتمع، حيث تُبنى القيم، وتُصاغ العقول، وتتشكل الأخلاق، ثم تنعكس هذه العملية تلقائيًا على مؤسسات الحكم والدولة؟
ليس هذا السؤال وليد إشكاليات العصر الحديث، بل هو سؤال قديم رافق مسيرة البشرية منذ أن تعاقبت الرسالات، وتبدلت الإمبراطوريات، وارتفعت دول وسقطت أخرى.
ولعل التأمل في قصص الأنبياء، إلى جانب ما انتهت إليه الدراسات الحديثة في العلوم السياسية والاجتماعية، يكشف أن قضية التغيير أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في مجرد الصراع على السلطة أو في مجرد التربية المجتمعية؛ إنها قضية تتعلق ببناء الإنسان، وبناء المؤسسة، وبناء الشرعية، وبناء القدرة على الاستمرار.
من خلال قراءة قصة موسى عليه السلام في القرآن الكريم، يتبين أن أول تكليف إلهي لم يكن إنشاء حركة اجتماعية داخل بني إسرائيل، ولا إعدادهم تربيةً وتنظيمًا قبل مواجهة فرعون، وإنما كان الأمر الإلهي مباشرًا:
﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى﴾.
كانت الرسالة موجهة إلى رأس السلطة المستبدة، لأن طبيعة الأزمة آنذاك كانت تتمثل في وجود طاغية يحتجز أمة بأكملها تحت القهر والاستعباد.
ولم يكن المطلوب في تلك المرحلة تأسيس مجتمع جديد، إذ كان بنو إسرائيل موجودين بالفعل، وإن كانوا مستضعفين فاقدين لحرية القرار.
لكن المفارقة العميقة أن الجزء الأكبر من قصة موسى لم يبدأ عند مواجهة فرعون، وإنما بدأ بعد سقوط سلطانه وخروج بني إسرائيل من مصر.ومن هنا تتضح فلسفة التغيير والإصلاح.
فهناك بدأت رحلة التربية الحقيقية. هناك ظهرت أمراض النفوس، وضعف الإيمان، والتعلق بالمحسوس، والخوف، والتردد، والحنين إلى حياة العبودية رغم قسوتها.
وهناك أيضًا ظهرت الحاجة إلى بناء الإنسان قبل بناء الحضارة.
لقد أثبتت تجربة بني إسرائيل أن الخلاص من الاستبداد لا يعني بالضرورة الخلاص من آثاره النفسية والفكرية.
فالعبد قد يغادر سجن السجان، لكنه قد يحمل السجن في داخله سنوات طويلة. تتشبع النفوس حب الذل والعبودية.
ولذلك لم يكن عبور البحر نهاية المشروع، بل بدايته. ولم تكن المعجزة خاتمة الطريق، بل كانت تمهيدًا لمرحلة أشد صعوبة:
صناعة الإنسان الحر.
وعلى الجانب الآخر، تقدم السيرة النبوية نموذجًا مختلفًا في ترتيب المراحل، دون أن يكون ذلك تعارضًا مع رسالة موسى عليه السلام. فقد بدأ النبي محمد ﷺ ببناء الإنسان قبل بناء الدولة.
ثلاثة عشر عامًا في مكة لم تُصرف في إنشاء مؤسسات الحكم، ولا في السعي إلى الاستيلاء على السلطة ، ولا حتى حق الدفاع عن النفس، وإنما في بناء العقيدة، وتربية الضمير، وإعادة تشكيل الإنسان من الداخل.
كانت الآيات المكية تخاطب القلب قبل النظام، والوجدان قبل القانون، والإنسان قبل الدولة.
ولم تكن الهجرة إلى المدينة انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل كانت ثمرة اكتمال حد أدنى من البناء الإيماني والاجتماعي الذي يسمح بقيام مجتمع قادر على حمل أعباء الدولة.
ولذلك جاءت الدولة في المدينة امتدادًا لمجتمع تشكلت قيمه سلفًا، ولم تكن محاولة لفرض تلك القيم بقوة السلطة وحدها.
إن المقارنة بين التجربتين لا ينبغي أن تنتهي إلى المفاضلة بين منهجين، وإنما إلى إدراك أن الوحي تعامل مع الواقع وفق سننه المختلفة.
فلكل رسالة ظرفها، ولكل أمة سياقها، ولكل مرحلة أدواتها. غير أن الجامع بين التجربتين هو أن السلطة وحدها لم تكن يومًا كافية لإنتاج مجتمع صالح، كما أن التربية المجردة عن أي حضور في المجال العام لا تكفي وحدها لإقامة العدل.
هذه الحقيقة نفسها تكاد تعيد إنتاجها العلوم السياسية الحديثة، ولكن بلغة مختلفة.
فمنذ النصف الثاني من القرن العشرين، وبعد دراسة عشرات حالات التحول السياسي في العالم، أخذ الباحثون يميزون بين تغيير السلطة و تغيير النظام ، ثم بين تغيير النظام وبناء الدولة . فإزالة الحاكم لا تعني بالضرورة إزالة أسباب الاستبداد، كما أن إقامة سلطة جديدة لا تعني تلقائيًا قيام نظام سياسي أكثر عدلًا أو أكثر كفاءة.
لقد كشفت تجارب كثيرة أن إسقاط الأنظمة قد يكون أسرع من بناء البدائل.وهذا يضع المتعجل للمواجهة في مأزق أخلاقي وقيمي وإصلاحي .
فالفراغ الذي قد ينشأ بعد انهيار السلطة قد يتحول إلى ساحة صراع بين القوى المختلفة، فتتآكل مؤسسات الدولة، وتضعف الثقة العامة، ويصبح المجتمع أكثر هشاشة مما كان عليه قبل التغيير.
ولهذا ظهر في الأدبيات السياسية مفهوم يؤكد أن أصعب مراحل الثورات ليست لحظة الانتصار، وإنما اليوم التالي لها.
في المقابل، تشير دراسات التحول الديمقراطي إلى أن الإصلاحات التدريجية، متى توفرت لها الإرادة السياسية والبيئة المجتمعية المناسبة، غالبًا ما تنتج مؤسسات أكثر رسوخًا.
فالإصلاح التدريجي يسمح بتراكم الخبرة، ويمنح المجتمع فرصة للتكيف، ويقلل من كلفة الصدام، ويحافظ على استمرارية مؤسسات الدولة، ويمنع الانهيار الإداري الذي قد يرافق التحولات المفاجئة.
غير أن الحديث عن الإصلاح التدريجي لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير للجمود أو القبول الدائم بالاستبداد.
فالإصلاح لا يكون إصلاحًا إذا كان مجرد تأجيل للتغيير أو تغطية على الفساد. كما أن الدعوة إلى التدرج لا تعني الرضا بالظلم، وإنما تعني أن وسائل التغيير ينبغي أن تراعي مآلاتها، وأن تُقاس بنتائجها لا بشعاراتها وحدها.
ولعل أكبر خطأ وقعت فيه بعض الحركات السياسية أنها اختزلت مشروع النهضة في الوصول إلى السلطة، وكأن الدولة آلة محايدة يمكن بمجرد السيطرة عليها أن تنتج مجتمعًا صالحًا.
بينما أثبت الواقع أن الدولة ليست كيانًا منفصلًا عن المجتمع، بل هي انعكاس له بدرجة كبيرة.
فإذا كانت الثقافة العامة قائمة على الاستقطاب، وضعف الثقة، وغياب الكفاءة، فإن هذه السمات كثيرًا ما تنتقل إلى مؤسسات الحكم مهما تبدلت الوجوه.
وفي المقابل، فإن الاكتفاء بالعمل التربوي دون أي اهتمام بالشأن العام قد يفضي إلى عزلة اجتماعية، ويجعل القوى المفسدة أكثر قدرة على احتكار المجال السياسي.
ومن هنا فإن الفصل التام بين إصلاح المجتمع وإصلاح الدولة لا يبدو دقيقًا؛ فالعلاقة بينهما علاقة تأثير متبادل، يتقدم فيها أحد المسارين أحيانًا، ويتراجع أحيانًا أخرى، بحسب طبيعة الواقع.
إن السنن الكبرى للتاريخ تشير إلى أن الحضارات لا تُبنى بقرار سياسي مجرد، ولا بخطاب أخلاقي مجرد، وإنما بتكامل الإنسان والمؤسسة.
فحين يتغير الإنسان دون أن تتغير المؤسسات، يبقى أثره محدودًا. وحين تتغير المؤسسات دون أن يتغير الإنسان، تتحول القوانين إلى نصوص فاقدة للروح.
ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن تتعلمه المجتمعات من قصص الأنبياء ومن تجارب التاريخ هو أن التغيير الحقيقي ليس حدثًا لحظيًا، بل عملية تراكمية طويلة، تتطلب صبرًا، وبصيرة، وقدرة على بناء الإنسان بالتوازي مع بناء النظام العام.
فالأمم لا تنهض لأنها استبدلت حاكمًا بحاكم، وإنما تنهض عندما يصبح العدل قيمة مجتمعية، والعلم ثقافة عامة، والمسؤولية خلقًا متجذرًا، والمؤسسات قادرة على حماية هذه القيم من تقلبات السياسة والأشخاص.
إن السلطة تستطيع أن تفرض قانونًا، لكنها لا تستطيع أن تفرض فضيلة.
وتستطيع أن تُنشئ مؤسسة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تخلق الثقة التي تمنح تلك المؤسسة الحياة.
أما الإنسان الواعي، الحر، المتعلم، القادر على ممارسة مسؤوليته، فهو الذي يمنح الدولة معناها الحقيقي. ولهذا فإن إصلاح المجتمع ليس بديلًا عن إصلاح الدولة، وإصلاح الدولة ليس بديلًا عن إصلاح المجتمع، بل هما جناحان لا يستقيم الطيران بأحدهما دون الآخر.
وهكذا يعلمنا الوحي، وتؤكده التجربة التاريخية، أن التغيير الراسخ لا يقاس بسرعة الوصول إلى السلطة، وإنما بقدرته على صناعة إنسان جديد، ومؤسسات عادلة، وثقافة سياسية تجعل الحرية والعدل مسؤولية جماعية لا مجرد شعار يرفع في لحظة التحول ثم يذوي بزوالها.
المراجع والمصادر:
القرآن الكريم.
تفسير القرآن العظيم.
جامع البيان.
السيرة النبوية.
البداية والنهاية.
أدبيات العلوم السياسية المتعلقة بالتحول السياسي وبناء الدولة والإصلاح المؤسسي.دون الاقتباس الكامل

