منذ قرئ. أول بينا لأول انقلاب

منذ قرئ أول بيان أول لأول انقلاب عسكري في البلاد صبيحة العاشر من يوليو 1978، وولادات الدولة تتعدد، وتتجدد مع كل نظام..فما تحدث مسؤول مهما كانت رتبته عن مرفق من المرافق العمومية إلا قال إنه لم يكن شيئا قبل تولي فخامة رئيس الجمهورية-حين التصريح- لحكم البلاد..
وأصبحت كل مأمورية تجب ما تحقق في سابقاتها كأنها تخوض صراع ضرائر لا يخبو إلا ليلتهب... 
ظلت مهزلة دفن التاريخ سنة يجددها المتملقون، وينخدع بها الحكام الذين لا يدركون أن ما ينسب إلى حقبهم من عظيم الإنجازات الصحيحة، أو الزائفة، سيجردهم منها نفس المتملقين الذين نسبوها إليهم ذات ملق، ثم ينسبونها إلى من يحكمون بعدهم..
وبهذا تمارس بعض نخبنا نسف التاريخ، وطمس معالم الذاكرة الوطنية، بدل تراكم التجارب السياسية، وما جرى فيها من أحداث مختلفة تثري مسار الدولة، وتحتفظ بتاريخها الدقيق في كل طور من أطوار حياتها، حقا للتاريخ، وحقا للأجيال، وإحقاقا للحقيقة المجردة من تأثير الأطماع العابرة لعبيد الجيوب المنخلعين من الكرامة الوطنية..

جاء كتاب: العبور الهادئ
حكاية الانتقال الديمقراطي في موريتانيا
بدعة حسنة أبت أن تترك حقبتين من تاريخ البلاد أطلالا مهملة ترقد مع حقبها المنسية كرموس في المقابر المهجورة..أعني حقبة المخاض التي كان الرجل من ربابنة سفينتها الذين استطاعوا أن يجنبوها مخاطر الأمواج المضطربة، وعواصف البحر المخيفة، وحقبة الولادة التي كان الرجل شاهدا على خلقها السوي..
الكتاب إذن حديث دقيق، ومفصل لمرحلة تاريخية مضت عليها عشرون سنة، أبرز رجالها رئيس متوفى، وآخر سجين، وليس من طباع سياسيينا في هذه الديار ذكر محاسن حكامهم السابقين..

أما بعد:

رأيت المختار ولد داداه سنة 1978، في ألاك قبل الانقلاب عليه بشهرين فقط وصافحته مع طابور مستقبليه من التلاميذ..
رأيت المصطفى ولد محمد السالك لما كان واليا في ألاك، ثم جالسته، وحاورته في ألاك عندما كان مرشح التحالف الشعبي التقدمي في أول انتخابات رئاسية بعد انطلاق ما سمي المسار الديمقراطي سنة1992..
صافحت محمد خونه ولد هيداله سنة 1982 عندما زار أغشوركيت..
جلست مع المختار ولد حامدن، ومحمد سالم ولد عدود، وحمدن ولد التاه، ومحمد فاضل ولد محمد الأمين، ومحمد يحيى ولد الشيخ الحسين، والناجي ولد محمود، ومحمد سالم ولد المحبوبي، وغيرهم من العلماء..التقيت أحمدو ولد عبد القادر، وكابر هاشم، وبدر الدين، وغيرهم من شعراء البلد ومفكريه..
عرفت الأستاذة باته Sama Rama ، والزميلة النجاح بنت محمذن فال ، بداية الثمانينات عندما كنا طلبة في المدرسة العليا لتكوين الأساتذة..
لكنني لم أر البحر، ولم أر العميد Sheikh Bekaye ، ولم أر الشاعر والروائ المختار السالم، ولم أر لمرابط ولد دياه، ولم ألتق لغز الفيس الساري في دهمة التخفي، والتحيير Eddehma Rim  فهي أخفى
من سرى الشيب تحت ليل شباب
مستحير في لمة سحماء..
ولم أر التلفزة الوطنية، ولا مقر بيت الشعر، ولا أي مقر من مقرات اتحاد الكتاب والأدباء الموريتانيين..
ولا أعرف اسم أي مسؤول إداري، أو أمني، أو عسكري في ألاك..

لكنني أيضا لم أر الوزير الأول السابق السيد سيد محمد ولد ببكر..

أجل، رغم متانة الروابط الأخوية الصادقة التي تربط مجتمعينا، ورغم علاقتي الشخصية المتميزة بجيلي، وزملائي في الدراسة، وأصدقائي وصديقاتي في التنظيم الناصري من أهل شكار، لم أتشرف بلقاء الرجل؛ حتى في زيارته لأغشوركيت مترشحا للرئاسة، وزيارته معزيا في أخي محمد الأمين ما قدر لي أن ألتقيه..

ظل الرجل حاضرا في حياة البلد المهنية والسياسية، محافظا على هدوئه، ورزانته، ثابتا على سمته ووقاره رغم العواصف السياسية التي كادت أحيانا تتحول إلى زعازع لا تبقي ولا تذر..

وأرسل إلي الرجل نسخة من كتاب: 
زمن العبور الهادئ
حكاية الانتقال الديمقراطي في موريتانيا،
صلة لرحم الروابط المتعددة التي أشرت إليها سابقا، وأجدد شكري، وامتناني لهذا الفعل النبيل..
يقول السيد سيد محكد ولد ببكر:
تولٌيتُ الوزارة الأولى في فترتين حرجتين من تاريخ بلادنا، الأولى في إبريل 1992 حين كانت موريتانيا تخطو خطواتها الأولى نحو التعددية السياسية، وسط أزمة اقتصادية خانقة وعزلة دبلوماسية شبه تامة، بسبب النزاع مع السنغال وموقف الحكومة من حرب الخليج، والفترة الثانية في أغسطس 2005 بعد الانقلاب العسكري الذي قاده المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، وفي كلتا الفترتين، كانت البلاد تواجه تحديات سياسية ومؤسسية معقٌدة.

قرأت الكتاب، ورغم أنه يتحدث عن تجربة قصيرة جدا من تجارب الوزير الأول السابق المتعددة، والمتنوعة في انتماءاتها لأزمنة مختلفة، وحقب سياسية متصارعة، ورغم سيطرة لغة الأرقام، والمصطلحات العلمية، والأسماء الشخصية، وتزاحم الفواصل الزمنية، ومعركة القرارات المتتالية وما صاحبها من تهيب وترقب، وإقرار، وتحكم فرض توازن مقود سفينة العبور، ورغم نفوري المبكر والمستمر من لغة الأرقام، والمعادلات الرياضية، والأساليب العلمية التي تبقى أسيرة الحقائق المجردة من لبوس الإغراء، والتشويق، رغم هذا كله وجدت متعة لا تقل عن متعي بقراءة الآثار الأدبية الغنية بعناصر التشويق..
بعض السرديات التاريخية تنحت لنفسها هوية متميزة في مجال العلوم الإنسانية، والتاريخ أخو الأدب مهما طغت فيه عناصر السرد الأمين على عناصر التحليل والتخيل، والإنسان بطبعه شغوف بكشف الحجاب عن الأحداث، أسبابها، غاياتها، مآلاتها حتى وإن عاشها، وخلق لها مبررات بقراءاته الخاصة، لأن بعض الحقائق لا يتكشف إلا حين يصبح تاريخا..
للبعض الحق في أن يستغرب تجاوز ولد ببكر لحقبة زمنية طويلة فيها استوى على سوقه، ونضج عوده، وفيها عرف عزه المهني، واتساع مجده السياسي، فقد حصل فيها رصيدا معتبرا من الثقة المتجددة جمع فيها بين دور الإطار الكفء لتولي المهام الصعبة في ما يخص حالة البلاد الاقتصادية، والمالية، ودور الشخصية السياسية الرزينة التي تجمع ولا تفرق، ولعل كل هذه العوامل كانت من بين أخرى سببا في التجربة موضوع الكتاب، ولأني لست مسؤولا عن الرد على هذه التساؤلات فإني سأكتفي بالقول إن الرجل عاش عصر معاوية، وواكب المسار الديمقراطي في ظروف صعبة، كانت البلاد في شبه عزلة دولية، وإفلاس على جميع الأصعدة، فاختاره النظام العسكري المصر على البقاء في السلطة بأقنعة تنكرية، وتلاعب بصناديق الاقتراع خلال ثلاث دورات كان العبور فيها مخيفا، أستغفر الله هو في الحقيقة ليس عبورا فالسفينة لم تبرح نقطة رسوها أصلا، لأن البلاد كانت تنتقل من  معاوية في زيه العسكري إلى معاوية في زيه المدني...

وقد كتبت نصا في تلك الفترة سميته خطاب الزعيم:
قبلت بسذاجتك أن تترشح معي إلى كرسي وصلت إليه على ظهر دبابة لا ينحني، وفرقة مدفعية، وأنقذتني من الأحادية، وسياسة الحزب الواحد الرجعية..أهدرت أموالك في الحملات وطفقت تلعن أمير المؤمنين في مهرجاناتك الجماهيرية، وفي وسائل الإعلام الوطنية..فاغتر الشعب وظن أن تلك تباشير فجر الحرية..آه..آه..أيها الشعب وأنا أتسلى-وتارة أشفق عليك- وأنت تأخذ جرعا قوية من أرقى مقادير الإخفاقات السياسية مثل: 1% و3%..و7% فتقيأك الشعب وآمن أني الواحد القهار..شكرا أيها الشعب لولاك كانت نجاحاتي مهزلة عبثية، فأنا لا أحب النجاح بنسبة 99.99% ولا حتى 60%...فتلك أمارة الاستبداد والدكتاتورية

لعل الرجل أدرك أن العبور في تلك المراحل كان عملا سيزيفيا، ولقطات مموهة بالتزييف، والتزوير، تجاوزت أرقام صناديق الاقتراع إلى تزييف الأرقام المالية التي كانت تقدم للمؤسسات الدولية، وقد سمحت له الظروف أن يرى في مرحلة انتقالية قصيرة عملا مخالفا، ومسارا حقيقيا لانتقال ديمقراطي سلس، وشفاف، ومنح فيه من الصلاحيات ما يستطيع بيه تأمين النتائج المرجوة، وتحقيق الوعود المتعهد بها، فاستحقت التجربة الثانية عنده أن تسجل محطة متميزة من تاريخ البلاد السياسي، فأخرجها من تحت عشرين سنة، وفاء لعهد، وتنويها بإنجاز....

شكل الانقلاب على معاوية نهاية أطول حقبة سياسية لحاكم موريتاني حتى الآن، حقبة شهدت توترات، وأحداثا بالغة الخطورة، وسارع المنقلبون إلى الرجل من جديد متلمسين تراكم خبراته، وتجربته في بعض الأزمات التي مرت بها البلاد ليتولى منصبه الجديد القديم هذه المرة في فترة انتقالية قصيرة نسبيا، ووعود بعبور لا يعود إلى نقطة الانطلاق، أي أن يدخل القصر رجل من خارجه، واصل المجلس العسكري قراراته، ووعوده المسيلة للعاب الحالمين بموريتانيا ديمقراطية، تختار من يقودها عبر صناديق الاقتراع، دون ضغوط، ودون وعد ووعيد، لذلك يمكن أن يقال إن المرحلة الانتقالية شهدت شبه تعاف لحياة البلاد السياسية رغم التحديات، ورغم أننا لم ننضج بعد لحياة ديمقراطية صحيحة، يصوت فيها الشعب على البرامج الانتخابية بدل الأشخاص، ويحاسب فيها الحكام على عدم الالتزام بوعودهم، وما زلنا بعيدين عن ذلك الوعي السياسي البناء، وما زالت مواسمنا السياسية غالبا أسواقا لتجارة الرقيق السياسي، اتخذ بعضنا الديمقراطية مطية للفوضى البدوية، والمجاهرة بالتشظي العرقي، واللوني، والعنصري، المستغل لحقوق المهمشين، والفقراء، والتربح بمعاناتهم..

يقول السيد سيد محمد ولد ببكر:
عندما قبلتُ منصب الوزير الأول في أغسطس 2005، كنتُ واعياً تمام الوعي بالمخاطر التي تنطوي عليها مثلُ هذه المسؤولية؛ فقد كنتُ أدرك أن فترات الانتقال السياسي، بطبيعتها، عرضةً لمختلف أنواع التجاوزات، بسبب الطابع المؤقت وغير المستقر للسلطات المكلَّفة بتسييرها.

ذكر الوزير الأول السابق السيد سيد محمد ولد ببكر أنه حرص على الالتزام بموقف الحياد، وترك الكلمة الفصل للشعب، وما ستقوله صناديق الاقتراع رغم موقف كل من الرئيسين السابقين اعلى ولد محمد فال، ومحمد ولد عبد العزيز، يقول:
بدأت تتسرب أخبار متواترة عن دعم محتمل من السلطات لسيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، لمْ أُعرِ الموضوع اهتماما كبيرا في البداية، إلى أن استدعاني الرئيس اعلي ولد محمد فال وفاجأني، بقوله: "لقد فكٌرنا ملياً، فخلصنا إلى أنه لا يمكننا أن نظل على الحياد إزاء مستقبل البلاد، ونظرا للزخم الكبير من الترشحات، لا يجوز لنا أن نترك موريتانيا بين أيدي أيًِ كان، ولهذا نعتقد أن سيدي ولد الشيخ عبد الله مرشح مؤتمن على البلد وقادر على طمأنة الموريتانيين وتوحيد صفوفهم" فأجبته بأنه، بلا شك مرشح جيد، أعرفه شخصيا، وتربطني به علاقات تقليدية ومودة خاصة، وهو رجل سياسي يتحلى بحكمة كبيرة، ومشهود له بالكفاءة، ومع ذلك، أرى أننا التزمنا معا، أمام جميع الموريتانيين، بتنظيم انتخابات حرة وشفافة، وبتبنى موقف محايد تجاه جميع المترشحين، وأضفت إلى ذلك أن أسوأ خدمة يمكن أن تقدم للرئيس المقبل، هي أن يتم انتخابه في اقتراع قد يُطعن في نزاهته، وختمتُ، قائلا إنه من الطبيعي أن يكون لكل واحد منا رأيه الخاص، لكن من الضروري أن تظل الحكومة والإدارة على حياد تام إزاء جميع الفرقاء.
لم أكن اعلم إن كان الرئيس اعلي يتحدث باسمه الشخصي أم باسم المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، بيد أن العقيد محمد ولد عبد العزيز لم يلبث أن زارني في المنزل، وقد حدثني تقريبا بنفس الكلام الذي قاله لي الرئيس اعلي، فأجبته بنفس العبارات.
ومن ثمّ لم نعد للحديث في الموضوع بعد ذلك..

كان هذا الموقف شجاعا من وزير أول أمام قائدين عسكريين أحدهما رئيس دولة، والآخر  ليس دونه مكانة، ونفوذا في المجلس العسكري الحاكم، وقد أبديا كثيرا من الحكمة أمام رده المخالف لرأيهما، إذ كانا يستطيعان عزله كما يفعل القادة لكل من تسول له نفسه أن يقول لا، ولعله أيضا كان مستعدا للتنازل عن منصبه ثمنا لمبادئه، وقناعاته..

كانت فترة المخاض قصيرة مضغوطة، لكنها كانت كافية لولادة مولود سوي غيبته الأقدار قبل أن يتم حولين كاملين من عمره الوظيفي، والسياسي..
ولولا كتاب الرجل لبقيت الحقبتان-حقبة التحضير وحقبة الإنجاز-آثارا دارسة بين ركام تجاربنا القابعة في قاع النسيان..

يقول السيد سيد محمد ولد ببكر:
وكحال كثير من أبناء وطني، كنت أتمنى ألا تكون تلك المرحلة مجرد فاصلة تاريخية عابرة، بل بداية حقيقية لإعادة تأسيس الدولة الموريتانية على أسس راسخة من العدالة والحكم الرشيد..

لكن..
فقرة من نصي القديم خطاب الزعيم:
...أيها الشعب لقد ساويت بعدلي، وعقلي، بين كبار زعموا الشعب قرأهم مع الأبجدية، وصغار لم يتجاوزوا سن الطفولة السياسية، فتكافأت أحزاب جبلية، وأخرى مجهرية، لاتدركها العيون البشرية، فأجلستهم في ندية، ها..ها..ها..يا لها تسلية...

المرتضى محمد اشفاقه