شخصيات لها تاريخ: الأديب الفالِّي ولد الفالِّي إديانكي (1987-1925) ​في حدود عام 1925، شهدت ولاية لبراكنة (وتحديداً منطقة گيمي) مولد علم من أعلام الأدب الشنقيطي، وأحد كبار أدباء "المنتبذ القصي" من جيل الرواد؛ الأديب الراحل الفالِّي ولد الفالِّي إديانكي.

شخصيات لها تاريخ: 
الأديب  الفالِّي ولد الفالِّي إديانكي (1987-1925)

​في حدود عام 1925، شهدت ولاية لبراكنة (وتحديداً منطقة گيمي) مولد علم من أعلام الأدب الشنقيطي، وأحد كبار أدباء "المنتبذ القصي" من جيل الرواد؛ الأديب الراحل الفالِّي ولد الفالِّي إديانكي. ينتمي الفالي لقبيلة "إديانك" العريقة، وتحديداً فخذ "أولاد حيبللَّ".
​نشأ الفتى في أحضان قومه على قيم المروءة ومعالي الأمور، وتلقى تعليمه الأول في بيئة محظرية تقليدية صانت موهبته؛ فحفظ القرآن الكريم، وتبحر في العلوم الشرعية واللغوية. عُرف الراحل بجاذبية خَلقه وحسن سمته، وخطه الجميل، إلى جانب ذكاء خارق للعادة وسرعة بديهة فذة جعلته يتبوأ مكانة أدبية متميزة، ويبدع في شتى أغراض الأدب الحساني  (لغن).
​طاف الأديب الفالي ولد الفالي في ربوع الوطن، متنقلاً بين مرابع شتى صقلت شاعريته، ومنها مناطق: "مال"، "ادوَاوِير"، "ادنش"، و"أگان". غير أن رياح الحياة قادته في عقد من الزمن ليغادر البلاد متوجهاً إلى عاصمة السنغال القديمة "اندر" (سان لويس)، حيث قضى هناك فترة طويلة من الزمن انقطعت فيها أخباره عن أهله ورفاقه.
​وفي غيابه، تلوع رفاقه شوقاً إليه، وكان من بينهم الأديب محمد بوبه ولد اجويده. وحين وصلت أنباء تؤكد وجود الفالي في "اندر"، كتب ولد اجويده "طلعة" نابضة بالشوق يستحثه فيها على العودة إلى مرابع الصبا والأوكار التي غادرها في ريعان شبابها، قائلاً:
​كُولْ الملعوم امن إسنقان@@لحكو يطلع شور البيظان
عن شوفة لكور والسُودان@@كل أنهار وشوف الخـوبَ
وابلد ثانى ظَـيَّكْ زمتـان@@ شوفُ فيه إعـود ارعـوبَ
لحكُـو يطلع شور إِفركان@@ أمن اهلُـو تشرح لكلوب
يشرب لبن امَّـات الحيران@@ وابلـد ريـاحُ مطبـوبَ
يعطى نوبه افلعكل وَكَان@@ والدهر ألا نوبه نوبه
صيداتو ذوك الى يعـرف@@ يحسنلى والهم لعكوبه
ذى النوبه عكبـوه الخلف@@ غير اعل حالَ مشعـوبه

​حركت هذه الكلمات شجون الأديب الفالي، فلم يتمالك نفسه وعاد على الفور إلى دياره وأوكاره التي غادرها، ولم يبرحها بعد ذلك. وفور وصوله، ارتجل معبراً عن لوعة اللقاء بجغرافيا الوطن:
​حد اعل گيمى تاك ؤشاف@@ اخظارُ والكللَّ خظـره
ذاك اعليه اتلَ ماينخاف@@ انُّو يرجع لتراب اخره
غير امن العرف إكيس امَّاتْ@@ سلايَن وُيكـرد زيرات
علــب انكـيم وُتـوميَّــات@@ أفكـام ويكرد مجـره
لكـراع وينـظر فدويـرات@@ إدور امن احزيمو يبره
حد اعل گيمى تاك ؤشاف....

​تميز أدب الفالي ولد الفالي بالعمق والسلاسة، وكان من أكثر الأغراض التي تغنى بها وأبدع فيها: التوحيد، التوسل، البكاء على الأطلال، الغزل، والرثاء.
​كانت مناجاته للخالق تنضح باليقين والتسليم الكامل، ومن روائع توحيده:
​مُلـكَـكْـ لِ صافى يَقِـينى بـيه وراضـى بيه وقـينى
من لحرام وُمَعْلَمْ ديـنى يَـاللَّ وِلامـت ارحــمـني
وَتُبْ عَـلـيَّ واسـقــينى من حوض امبينَ واطْعَمْنِى
بَـطعـام الجَّـنه واغنينى عن شى بين أيدكـ يَهـشمنى
من رزقكـ ذا الِّى عاطينى شُـورْ ابـلد شـورُ تـنـهـمنى
فـات الى فات امن اسنينى ماعنـدى كمنه فاكـمنى
واليـوم افمــلكـكـ راعـينى عت آكـمنِى هـو آكمنى

​ومن توحيده الحكيم أيضاً في تقلب أحوال الدنيا:
​سُــرور الدَّنْيَـا مايلتـم ابْعِـيد وُلاهْ امـن الِّى تَـمْ
خَـالَكْـ والْمُـرور ألا تَـمْ عَدُّو فِـيهَ كِـيفْ السُّــرُور
وَالِّ مَنْـهم جاكـ اتْـنقم عنـو ماشى عنك بالـصور
الِّ جَاكْـ اعْلِيـه وُسَـلم لَـ اللَّـه وُفَوَضْ لُـ لمــور
واحـذر يعكلى لاتحكم بَـالـسُّرور ولا بــالـمُرور

​وكان الراحل غيوراً على النص الأدبي؛ فحين أرسل طلعة إلى برنامج الأديب ابوكي ولد اعليات وسمع أن المراسيل أخطأوا في روايتها وأفسدوا معناها، صحح لهم بطلعة توجيهية صارمة:
​يالــمُـراسِــلِيـــنْ تَـمُو مَــمعْنَا لغـنَ فِيهْ اهْتــمُو
لغــنَ هـذا حـالْ يَمُو مـنـكــم فيــه اغْـباه
يصلح من مبداهْ وَمُو تصــلـح مـمن مبــداه
لــغنَ منــو عــادْ لازم زيـن الحَــدْ احكاه
وامْـعَ لازم فيهْ لازم يُتَــمَــمْ مــعــناه

​تغنى بالجمال بأسلوب عذب يربط وجدانه بالأرض والديار، ومن رقيق غزله:
​احرام امهية كل واد. اعـليَّ غير احلال مَـ
كمكمه بيه الماه عاد. تشرب منو لحلالــمَ
مذكـور الـواد ألا الْـمَ. والحـيه لو متكـاثره
وُكالولِ عن لحــلالمَ. نزلُو التَّاشوط الخاثره
هذا من عزت ول مـال. منه كطعت رحيمي
كيفلى مانى ول مــال. زاد آنـا وُولد كــيمي

​وقف على الديار وناجى دمنها مسترجعاً ذكريات الأحبة:
​صَـمْبَبُـورْ أخــلاكى تبــغيه واللــه أل تبــقى دَلِـى.
والظــلعه والخط اللِى فيه من كَبْلَ يَشْــرَعْ مَدَّلِى
كَـوَلْ وازركـ عيـنو يُحَــاسْ بَلِى فيهم غير ابلا باس
والْـباس اخلـكلِى دار الناس. فالطلحايه عـاكب دَلِى
وللِـى فَـيّ امَّـابِى يــدنـاس. وَلِّى حزمو مـاهْ امـولِى
صمببور

​وحين رحل الأمير لبات ولد احمياده، رثاه الفالي بمرثية بليغة تختزل معاني الضياع بعد موت الرموز:
​الغلــظ افلـعربْ مَنْـصكَلْ والــدَّيـن امْــعَ لَعـباده
يَـتْـمُو عــاكب لبـات وَلْ هيـبَ ول احمــياده
النَّـخوه مـاتت ماتــلات ابُـوهَ عنـد امنين مات
عنــهَ لــبات ألا ابــكات تنـعــد مـمن الَّـلـــوَاده
وَاجـار إِيتَــم امـعاهْ جاتْ لَـكبيلــه والمـجـاده
يتــمو مُـراهْ وُيَـاتـمــات لَـمْــرُوة والســـــياده

​بعد مسيرة حافلة بالعطاء والأدب الرفيع والنادر الذي أثرى المكتبة السمعية والوجدانية للمنطقة، ترجل فارس الكلمة الفالى ولد الفالى عن صهوة الحياة عام 1987، وووري جثمانه الثرى في "مقبرة أدنش"، تاركاً خلفه إرثاً عصياً على النسيان. تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته.